محمد بن جرير الطبري
407
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
لا يَعْلَمُونَ لَوْ لا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ فقال بعضهم : عنى بذلك النصارى . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد في قول الله جل وعز : وَقالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ لَوْ لا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أَوْ تَأْتِينا آيَةٌ قال : النصارى تقوله . حدثني المثنى ، قال : ثنا أبو حذيفة ، قال : ثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، مثله ؛ وزاد فيه وَقالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ النصارى . وقال آخرون : بل عنى الله بذلك اليهود الذين كانوا في زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم . ذكر من قال ذلك : حدثنا أبو كريب ، قال : ثنا يونس بن بكير . وحدثنا ابن حميد ، قال : ثنا سلمة بن الفضل ، قالا جميعا : ثنا محمد بن إسحاق ، قال : حدثني محمد بن أبي محمد ، قال : حدثني سعيد بن جبير أو عكرمة ، عن ابن عباس ، قال : قال رافع بن حريملة لرسول الله صلى الله عليه وسلم : إن كنت رسولا من عند الله كما تقول ، فقل لله عز وجل فليكلمنا حتى نسمع كلامه فأنزل الله عز وجل في ذلك من قوله : وَقالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ لَوْ لا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أَوْ تَأْتِينا آيَةٌ الآية كلها . وقال آخرون : بل عنى بذلك مشركي العرب . ذكر من قال ذلك : حدثنا بشر بن معاذ ، قال : ثنا يزيد بن زريع ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة : وَقالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ لَوْ لا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أَوْ تَأْتِينا آيَةٌ وهم كفار العرب . حدثني المثنى ، قال : ثنا إسحاق ، قال : ثنا ابن أبي جعفر ، عن أبيه أبو جعفر ، عن الربيع : وَقالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ لَوْ لا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ قال : هم كفار العرب . حدثني موسى ، قال : ثنا عمرو ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي : وَقالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ لَوْ لا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أما الذين لا يعلمون : فهم العرب . وأولى هذه الأَقوال بالصحة والصواب قول القائل : إن الله تعالى عنى بقوله : وَقالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ النصارى دون غيرهم ؛ لأَن ذلك في سياق خبر الله عنهم ، وعن افترائهم عليه وادعائهم له ولدا . فقال جل ثناؤه ، مخبرا عنهم فيما أخبر عنهم من ضلالتهم أنهم مع افترائهم على الله الكذب بقوله : اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً تمنوا على الله الأَباطيل ، فقالوا جهلا منهم بالله وبمنزلتهم عنده وهم بالله مشركون : لولا يكلمنا الله كما يكلم رسوله وأنبياءه ، أو تأتينا آية كما أتتهم ولا ينبغي الله أن يكلم إلا أولياءه ، ولا يؤتي آية معجزة على دعوى مدع إلا لمن كان محقا في دعواه وداعيا إلى الله وتوحيده . فأما من كان كاذبا في دعواه وداعيا إلى الفرية عليه وادعاء البنين والبنات له ، فغير جائز أن يكلمه الله جل ثناؤه ، أو يؤتيه آية معجزة تكون مؤيدة كذبه وفريته عليه . وقال الزاعم : إن الله عنى بقوله : وَقالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ العرب ، فإنه قائل قولا لا خبر بصحته ولا برهان على حقيقته في ظاهر الكتاب . والقول إذا صار إلى ذلك كان واضحا خطؤه ، لأَنه ادعى ما لا برهان على صحته ، وادعاء مثل ذلك لن يتعذر على أحد . وأما معنى قوله : لَوْ لا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ فإنه بمعنى : هلا يكلمنا الله كما قال الأَشهب بن رميلة : تعدون عقر النيب أفضل مجدكم * بني ضوطرى لولا الكمي المقنعا بمعنى : فهلا تعدون الكمي المقنع ؟ كما : حدثنا الحسن بن يحيى ، قال : أخبرنا عبد الرزاق ، قال : أخبرنا معمر ، عن قتادة في قوله : لَوْ لا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ قال : فهلا يكلمنا الله . قال أبو جعفر : فأما الآية فقد ثبت فيما قبل معنى الآية أنها العلامة . وإنما أخبر الله عنهم أنهم قالوا : هلا تأتينا آية على ما نريده ونسأل ، كما أتت الأَنبياء والرسل فقال عز وجل : كَذلِكَ قالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ . القول في تأويل قوله تعالى : كَذلِكَ قالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ تَشابَهَتْ قُلُوبُهُمْ . اختلف أهل التأويل فيمن عنى الله بقوله : كَذلِكَ قالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ ، فقال بعضهم في ذلك بما : حدثني به محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : كَذلِكَ قالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ هم اليهود . حدثني المثنى ، قال : ثنا أبو حذيفة ، قال : ثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : قالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ اليهود . وقال آخرون : هم اليهود والنصارى ، لأَن الذين لا يعلمون هم العرب . ذكر من قال ذلك :